الشيخ الطبرسي

137

تفسير مجمع البيان

ثم عاد سبحانه إلى ذكر نوح عليه السلام بقوله : ( قال نوح ) على سبيل الدعاء ( رب إنهم عصوني ) " فيما أمرتهم به ، ونهيتهم عنه يعني قومه ( واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) أي واتبعوا أغنياء قومهم اغترارا بما آتاهم الله من المال والولد ، فقالوا : لو كان هذا رسولا لله ، لكان له ثروة وغنى . وقرئ ولده وولده بالضم والفتح . فالولد : الجماعة من الأولاد . والولد . الواحد . وقيل : هما سواء . والخسار : الهلاك بذهاب رأس المال . وقيل : إن معناه اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال والأولاد إلا هلاكا في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة ( ومكروا ) في دين الله ( مكرا كبارا ) أي كبيرا عظيما ، عن الحسن . وقيل . معناه قالوا قولا عظيما ، عن ابن عباس . وقيل . اجترأوا على الله ، وكذبوا رسله ، عن الضحاك . وقيل : مكرهم تحريشهم ( 1 ) سفلتهم على قتل نوح عليه السلام . ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ) أي لا تتركوا عبادة أصنامكم . ثم خصوا أصناما لهم معروفة بعد دخولها في الجملة الأولى تعظيما لها فقالوا : ( ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) وهذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها ، ثم عبدتها العرب فيما بعد ، عن ابن عباس ، وقتادة . وقيل : إن هذه أسماء قوم صالحين ، كانوا بين آدم ونوح عليه السلام ، فنشأ قوم بعدهم يأخذون أخذهم في العبادة ، فقال لهم إبليس : لو صورتم صورهم ، كان أنشط لكم ، وأشوق إلى العبادة . ففعلوا فنشأ بعدهم قوم فقال لهم إبليس : إن الذين كانوا قبلكم ، كانوا يعبدونهم ، فعبدوهم . فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت ، عن محمد بن كعب . وقيل : كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند ، ويحول بينه وبين الكفار ، لئلا يطوفوا بقبره ، فقال لهم إبليس : إن هؤلاء يفخرون عليكم ، ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم ، وإنما هو جسد ، وأنا أصور لكم مثله ، تطيفون به . فنحت خمسة أصنام ، وحملهم على عبادتها ، وهي : ود ، وسواع ، ويعوق ، ويغوث ، ونسر . فلما كان أيام الغرق ، دفن الطوفان تلك الأصنام ، وطمها التراب ( 2 ) . فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب ، فاتخذت قضاعة ودا فعبدوها بدومة

--> ( 1 ) : حرش بين القوم : أغرى بعضهم ببعض . ( 2 ) طم الشئ : دفنه .